وسام الشرف للعظماء فقط
الحلقة الثانية
ليست الفروق بين المجتمعات هي الحظوظ
والصُدف
ليست الحظوظ هي الفروق بين الأمم، لا توجد المحاباة بين الخالق
والمخلوق، ولا توجد شرائح أوأفراد وشعوب وقبائل ولدت نابغة عبقرية متقدمة، وغنية
لحظة ولادتها! وأخرى غبية حمقاء متخلفة، وفقيرة، بل تحكمها سنن ربانية واحدة في
الحياة كلها، في بطن الأمهات وحتى في باطن الأرض بدأ ونهاية، الكل يأتي إلى الحياة
عاريا فقيرا أميا وهذا هو الأصل، هكذا يأتي الإنسان إلى هذا الكوكب، كما ورد في
هذه الآية الكريمة {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ
وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} النحل 78.
تتساوى الشعوب والمجتمعات
والدول في حياتها الفطرية، لأنها من هولاء الأفراد الذين تتحدث عنهم الأية
الكريمة، تخضع لقانون واحد لا تعدد فيه، تنمو وتتطور تدريجيا من خلاله، وتواجه
أنواعا من العقبات المتشابهة، من بينها الحروب والأزمات الداخلية، والصراعات
الدولية، والاجتياحات العسكرية المدمرة، والتدخلات الخارجية التي لا حدود لها،
تواجه الأمم الكساد الاقتصادي والاضطرابات الأمنية، والزلازل والبراكين والفيضانات
والجفاف وغيرها بشكل دورات متعاقبة ، وما من أمة في تاريخها إلا مرت بمثل هذه
المعانات بتفاوت الدرحات طبعا.
إذا فأين تكمن الفروق بين الأمم؟
تكمن الفروق في ثقافة المجتمعات ومعارفها وأنظمتها السياسية وبنيانها
الاقتصادي وعاداتها في الكسب والانتاج، ومدى متانة وصلابة مؤسساتها وأنظمتها
وقوانينها، وشروعها التي من خلالها تبرز القيادات في مختلف مجالات الحياة، وتتصدى
لكل المعضلات والنكسات والمخاطر المهددة لكيانها، من هنا نجد مجتمعا واجه التهديد
المباشر في تاريخه أكثر من مرة، ولكنه في كل مرة يواجه المشكلة بصبر وثبات وحكمة،
خارجا من أزماته التاريخية بانتصار باهر، ومعالجا التحديات الاجتماعية بحكمة بالغة، ولا يأتي هذ الأمر إلا من الثقافة العلمية التراكمية والعادات الأصيلة
التي تغذيها المراكز العلمية، والمناهج الوطنية الهادفة، والثقافة الاجتماعية
الراسخة، والأدب بمعناه الواسع من نثره وشعره وحكمه وأمثاله، التي أوصلت هذا
المجتمع إلى درجة القناعة المجتمعية بضرورة التصرف والتصدي للأحداث مستخدما كافة
إمكاناته، منقادا لتوجيهات قيادته حسب المصلحة العامة.
بينما نجد مجتمعا أخر ربما لا يحتلف كثيرا عن الذي سلف ذكره يواجه المشكلات نفسها
ولكنه سرعان ما ينهار، ويعجز عن
مواجهتها، ويفشل في تقديم الحلول الناجحة، ويتعرض لانهيارات مزلزلة، وتستمر
الأزمات معه أحيانا عقودا طويلة إن لم تكن قرونا، والسبب ناتج عن الضعف الداخلي من
الناحية الثقافية والمؤسساتية، ومن حيث الأنظمة والقوانين ومن حيث التماسك
الاجتماعي، هذه الأمثلة حاضرة في مختلف القارات المتباعدة، وترتبط الحالتين إلى حد
بعيد بمستوى المجتمع ومدى رشده العام ونوعية المؤسسات التي تدير دفة شئون الحياة.
القيادة عنصر حاسم في الفشل والنجاح:
ومن الجانب الأخر فإن العنصر الحاسم الذي يعول عليه في صناعة التاريخ
، والتصدي لعظائم
الأحداث هو نضج القيادة، وعيا واستيعابا، وحنكة وحكمة، وجسارة،
وتضحية، وصبرا، وتحملا في مجمل تعاملاتها مع الأحداث الدولية
والاقليمية والمحلية، وهنا تبرز ميزة العظماء في التاريخ البشري، والأهمية القصوى
للقيادات المتميزة صاحبة القدرات والامكانات الفائقة في أحلك الظروف وأشدها قسوة.
إن هولاء العظماء لا يأتون
عن فراغ، بل هم من انتاج بيئتهم
ومجتمعهم و أسرهم، ومن محيط يساهم
في تنشئتهم وتربيتهم، ويساعدهم على الإعداد المتواصل، وعلى هذا فهم يتخرجون من معامل التنمية البشرية ومختبراتها
ومراكزها التي تجلّي لنا نوعية وقدرات ومعادن الرجال والنساء، تحنكهم التجارب
وتصقلهم من خلال الدربة والممارسة في الخدمات الاجتماعية المتنوعة، من هنا نلاحظ
الفروق بين المجتمعات عجزا وقدرة على صناعة العظماء، لأنهم جزء من مجتمعهم، لذا
فإن المجتمعات الجاهلة والفاشلة المتخلفة قلما تنجح في انتاج القيادة الصالحة، لأن
مثل هذه البيئة تقتل المواهب، وليس لديها معايير ومقاييس دقيقة توزن بها وتفرق بين
الأقوياء والضعفاء وبين العظماء والقزام، ومن هنا تتبين الأمورمدى التلازم بين
العمل في التنمية والتطوير الاجتماعي وبين صناعة الكفاءة القيادية .
العمل معيار دقيق:
تتقدم الأمم والشعوب دوما بقدر ما تقدم من عمل، فتكون قادرة على
التعامل مع الحقائق المجردة في تصرفاتها
مع نفسها ومع غيرها، وهي التي تستطيع التضحية من أجل سيادتها ومبادئها، وتتقدم بقدر ما تقوى على التنافس في الساحة
العالمية في مختلف مجالات الحياة وتخصصاتها، وتتقدم بقدر ما تستفيد من مصادر
المعرفة الثابتة والمتجددة التي تفجرها وتحركها اليوم بسرعة مذهلة الثورة
المعلوماتية، والشبكة العنكبوتية بتفجير الطاقات وتغيير نمط الحياة، وتتقدم بحسن
الاستفادة من الخبرات العالمية المتوفرة، وبقدر ما تحافظ على سلامة مسيرتها
وتقدمها التنموي وتماسكها الاجتماعي، وفي المحصلة النهائية لابد من قيادة قوية
تمثل مجتمعهاوتتصدى لحل المعضلات والمشكلات المتفاقمة، وهو دور العظماء والقيادة
الصالحة، فبدونهم يحدث التخلف وتتعاظم العقبات وتتراكم الأزمات، ويحرم المجتمع من
إستفادة الفرص الموجودة على ظهر البسيطة،
وهنا تظهر الفروق الشاسعة بين الأمم والشعوب، والسبب الوحيد هو العمل أو
عدمه! وليس الحظ العاثر أو الحظ السعيد، كما تروجها الشعوب المتخلفة التي تعتمد
على التواكل، تنتظر مجيئ المهدي المنتظر ليخرجهم من الظلمات ويقدم الحلول السحرية
لمشكلاتهم، أو تنتظر الحلول المعجزة من العالم الأخر!!!
الفشل في الأداء صناعة للفشل:
كما أن التميز في الأداء والإتقان شرط أساسي في الخروج من التخلف
والبؤس والشقاء، وتؤدي إلى رضى الله ووجوب محبته للإنسان
المتقن لعمله وهذا الذي يشير إليه الحديث النبوي الشريف، يقول رسول الله صلى الله
عليه وسلم: (إِنَّ الله يُحِبُ إذا عَمِل أحَدُكُم عَمَلا أنْ يُتْقِنَه). والأعجب
أن المسلمين هم أبعد الناس عن الاتقان والأداء المتميز في وقتنا الحاضر!!! ومهما
يكن من أمر فإن غياب العلماء العظماء والقيادات الفاضلة للشعوب عن مراكزالقيادة والتوجيه مؤشر قوي على انهيار
الأمم واختفاء سيادتها وزوال منعتها وقوتها وملكها، وهو ما يشير إليه الحديث
النبوي الشريف: فعن عبد الله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنهما - قال : سمعت رسول
الله صلى الله عليه وسلم يقول: « إن الله تعالى لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من
العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رؤوسا
جهالا، فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا » رواه البخاري ومسلم.
فلك أن تتخيل عندما يتولى الجاهلون زمام أمور المجتمع والدولة
والعائلة والأفراد، ويدير الأميون الشركات الاقتصادية الضخمة والجامعات العريقة،
فكيف تسير الأمور وإلى أين نتوجه؟ وما هي المعايير التي نتعامل من خلالها فيما
بيننا ومع العالم الخارجي؟!
صدق رسول الله (فضلوا وأضلوا)! لأن كل من يحاول قيادة السيارة
قبل أن يتعلم السواقة ويتدرب على قيادتها
فإنه لا محالة سيقع في حوادث وسيرتكب جرائم لا حدود لها، في حق نفسه وفي حق
الأخرين، فما بالك في قيادة أمة ومجتمع؟! لذا فإن الحديث النبوي يشير إلى هذا
المؤشر. فشعار الحياة واستقامتها هو قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ
قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ
كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}.
العلم شرط في أهلية المجمتع:
إن المجتمع الذي لا يحترم العلم والعلماء، ولا يقدر التخصصات
والمؤهلات العلمية، هو مجتمع فقد أهلية القيادةٍ والكفاءة في تطوير نفسه وتنمية
مواردهٍ، وبحكم مستواه الذي يجعله يختار القيادات الجاهلة والأمية بدل العلماء
والمتعلمينٍ كما يشير إليه الحديث فإن هذا المجتمع يتوجه حتما نهو الانحطاط والانهيار، أنظر إلى
هذا الحديث : (أن رجلا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم متى الساعة؟ فقال:
"إذا ضُيِّعَت الأمانة فانتظر الساعة". قال: وكيف إضاعتها ؟ قال: "
إذا أسند الأمر لغير أهله فانتظر الساعة» يواجه أي مجتمع فقد القيادة الرشيدة
مخاطر الانهيار أو الفوضى العارمة بعد أن آلت الأمور إلى غير أهلها، وهذ تحذير
للشعوب بألا تهمل التربية الناجحة وأن تعطي الاهتمام المناسب للقيادات المستقبلية،
حتى لا تخسر حياتها وتحكم نفسها بالاعدام.
فليتنافس المتنافسون:
إن العالم في تنافس دائم وهو يخوض المعارك الشرسة من أجل الصدارة في
الساحة الدولية عبر المؤسساتية وصناعة القيادة وتهيئة البيئة المناسبة التي تتنفس
برئتين من الحرية والتنافس التي تحميها القوانين والشروع، إننا جزء من هذا العالم،
فماذا ننتظر منه؟ إن العالم لا يستطيع أن يمنح الكسالى القابعين في أوهامهم،
والجاهلين الأقزام أوسمة شرف، ولا يتعامل مع الفاشلين في حياتهم بقدم المساواة
والكرامة مع المجدين الطموحين. إن الخيار خيارنا، كما هو خيارالجميع، إما ان نتقدم
إلى الأمام ونعد أنفسنا للسباق المحموم، وإما أن نعد ونتجهز للوفاة، والخروج عن
ساحة الحياة والأحياء. وهذه هي الفروق بين الشرف وعدمه، بين التقدم والتخلف، وبين
الحياة والموت، وهو الفرق بين الخيرين والأشرار، وبين المفسدين والمصلحين، وبين
الأقزام والعظماء.
صنفان من الناس في مركز قيادة
المجتمعات:
نشاهد صنفا من البشر في حالة قلق وحيرة وتذمر عند اضطراب الأحوال
وتغير الأوضاع وأثناء التحولات المفاجئة والأحداث المصيرية. نشاهدهم يدورون حول
أنفسهم ومصالحهم الضيقة، محاولين إخضاع مصالح الأمة برمتها لأنانيتهم العفنة،
وطموحاتهم الشخصية القذرة، ونزواتهم الحائرة المجنونة، مرتكبين كل صعب وذلول من
أجل ذلك الهدف، متناسين أنهم لا يستطيعون تحقيق رغباتهم إذا انهار المجتمع، وتصدعت
أركان حياته، واختفت المصلحة العامة. ونجد في ساحة أمتنا أمثلة حية على هذه
النمادج الممسوخة. ولعل الصومال الجريح دليل صارخ على وجود آلاف من قياداته التي
تصرفت يوما وكأنها وحدها تملك مصير الكون، وتواجه اليوم فقرا ومهانة وذلا في كل
ركن من أركان العالم، ولم تسعفهم ملايين الدولارات التي استحوذوا عليها وحرموا
منها أصحابها، سواء في عهد الحكومات المتعاقبة أو في عهد الحروب الأهلية .
ونجد صنفا آخر من البشر يتمتعون بقدرات فائقة وهمم كالجبال الراسيات،
وعزيمة لا تلين عند اشتداد الأمور وسيادة الفوضى في الساحة، ينسون أنفسهم ويلغون
ذواتهم للدفاع عن القيم، ويقدمون المصلحة العامة على المصلحة الخاصة، ويسعدون
لمساعدة الأخرين ونصرة المظلومين وحماية البيضة والتضحية لنصرة معتقداتهم، لا
يأبهون بما يواجهونه من متاعب في مسيرتهم، ولا يخافون لأنهم تحرروا من الخوف، {...
وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ
وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}.
قرروا أن يحدثوا أكبر تغيير في الحياة الانسانية من أجل جلب المصلحة
لمجتمعاتهم، والأمثلة كثيرة لمواقف العظماء وقراراتهم وانجازاتهم التاريخية في
مختلف العصور والأوطان وفي مختلف الأديان والمذاهب والفلسفات المتنوعة، وفي ظروف
متشابهة أو غير متشابهة. يقول الصديق رضي الله عنه (أينقص الدين وأنا حيّ؟) إنها
همة لا يتسرب إليها اليأس أبدا.
وكم من الأشخاص المغمورين في زحمة الحياة ارتحلوا من بلاد إلى اخر
لكسب عيشهم عبر التنقل والتجارة، ومع ذلك أحدثوا تغيرات اجتماعية ودينية في الساحة
العالمية، وتركوا بصماتهم الجلية أينما حلوا، إنهم نماذج من الشرفاء، إقرأ تاريخ
دخول الاسلام في إفريقيا وآسيا ترى العجائب في سيرة هولاء العظماء، إذ كانوا أناسا
يحملون قلوبا حية ورسالة واضحة.
في التاريخ عبر:
فإذا درسنا وتتبعنا صفحات تاريخ الأمم في أنحاء العالم، نجد قادة
استطاعوا تأسيس دول وامبرطوريات مترامية الأطراف من مجموعة قبائل متناحرة متنازعة،
غيروا الحياة العلمية والاقتصادية والفكرية والاجتماعية. كما نجد قادة استطاعوا
إنقاذ دولهم ومجتمعاتهم من أزمات حادة عصفت بها لأسباب معينة، وتمكنوا من إعادة
بنائها من جديد على أسس ضمنت لها البقاء قرونا طوالا.
كم في تاريخنا الاسلامي من
علماء عاملين ومفكرين عباقرة، وقادة أفذاذا غيروا معالم الحياة البشرية وساهموا في
بناء حضارة عملاقة أنارت القارات المظلمة. كم نجد في الحضارة الأوروبية من مفكرين
بنوا دولا وأسسوا مدنا عملاقة وفائقة الجمال، أوأضافوا بعدا جديدا في المسيرة
الانسانية، بمبتكراتهم واكتشافاتهم العلمية التي تفوق كل التصورات حتى غيروا معالم
الحياة ونمط معيشتها وأساليب تفكيرها. ولو ذهبنا
إلى الصين أو القارة الهندية، أو القارة الإفريقية سنجد رموزا لها قدر عظيم
وشرف مروم، وريادة ناجحة لأممهم وأقوامهم وحضاراتهم.
القاسم المشترك بين العظماء:
إن العظماء لا يشتركون في مسيرة الحياة في المعتقدات أو الأيدلوجيات
أو الرؤية السياسية والاقتصادية، وليسوا من لون واحد أو جنس واحد أو من قارة
واحدة، ولا يقاسون بالطول والعرض، ولا بالثروة والفقر، إنهم فقط يشتركون في صفة
واحدة، ألا وهي: عظمة قدرهم التي تصنع عظائم الأمور عند ما يعجز عن تحقيق ذلك الأخرون، فالتضحية ونكران
الذات ومواجهة الصعاب في أوقات الأزمات والشدائد والرغبة الملحة في التغيير
الايجابي، والتحرر من المخاوف والمثبطات، والعمل بدأب وشغف من أجل إدخال السعادة
والسرور في قلوب مجتمعاتهم، تلك هي وسائلهم لبلوغ أهدافهم، مما جعل شعوبهم تكن
لهم الاحترام والتبجيل دوما.
وهذا دأب العظماء في كل عصر من عصور التاريخ، وتلك نظرة شعوبهم
ومجتمعاتهم تجاههم، رغم تباين الأزمان، واختلاف المعتقدات، وتباعد المنطلقات
الفكرية والفلسفية لبرامجهم واستراتيجياتهم، وهذا الذي يجعلهم يكبرون في عيوني،
ويغيرون بعضا من أفكاري أو نمط حياتي عند ما أقف على سيرهم ومواقفهم وانجازاتهم
وتضحياتهم، وهو ما يجعلني أقدرهم وأقف لهم إجلالا واحتراما لإسهاماتهم الضخمة في
الحياة البشرية في مختلف مناحي الحياة ودروبها الوعرة وقضاياها المعقدة.
أقف إجلالا لهولاء العظماء..
أقف إجلالا لكل العظماء الذين تحرروا من عوامل اليأس محطم خلايا
الحياة، وأسباب الهوان المذلة لكرامة الانسان.
اقف إجلالا لكل العظماء الذين عشقوا الحرية بمعناها الواسع ومضامينها
الجميلة، وقيمتها العالية، وقدرها المبجل.
أقف إجلالا لكل العظماء
الذين أحبوا الإنسان واستخدموا قدراتهم لإسعاده، وبذلوا الجهود لحفظ وصون كرامته.
أقف إجلالا لكل العظماء الذين يجدون متعتهم وراحتهم النفسية من خلال
ما يقدمونه إلى البشرية من خير.
أقف إجلالا لكل العظماء الذين ضحوا بأرواحهم وأموالهم وأوقاتهم لنصرة
قضايا شعوبهم، وإخراجها من هاوية التخلف والفقر والتناحر والجهل والمظالم
الاجتماعية وكل صفة تساهم في خلق البيئة الفاسدة في الأرض.
أقف إجلال لكل العظماء الذين لا يقبلون الخضوع والاستسلام للتيارات
الجارفة، والنظرات السطحية المعاكسة، ويرفضون ركوب موجات التهور، رافضين التهافت
على البريق الخادع وغرور الحياة
أقف اجلالا للذين أناروا الشموع في أزمنة الظلمات المادية والمعنوية
لإحياء الآمال في النفوس البائسة، ولنفخ الروح في الهياكل الميتة، أناروا الشموع
لإزالة الأوهام الخيالية وتراكماتها التي حجبت الحقائق عن الملايين، وغيرت ماهية
الأشياء وصورها، أناروا الشموع ليقولوا بصراحة ووضوح لا غموض فيها إن الظلمات
واليأس والدجل والأكاذيب والشعوذة وإدمان الفتن والحروب والبطالة، لا يمكن أن تمثل
الحياة، أو أن تكون بديلا عن الحقائق وجمالها، وعن العقول وقوة إدراكها، وعن العاطفة
السليمة وقدرة تأثيرها، وعن عظمة هذا الإنسان وقدرته على التغيير، التغيير
الإيجابي، التغيير الذاتي، التغيير الاجتماعي، التغيير الثقافي، وتغيير نظرة
المجتمع إلى حياة أفضل.
أقف إجلالا لكل العظماء الذين تركوا بصماتهم على جبين الحياة، وخلدوا
ذكراهم العطرة بعد مماتهم حتى تروي الأجيال تلو الأجيال قصص حياتهم ومواقفهم
ويومياتهم. لقد تركوا وراءهم ميراثا خالدا لا يستطيع الأعداء والأقزام وأشباه
البشر بعدهم مسح آثارهم من ذاكرة شعوبهم وشعوب العالم، لأنهم كتبوها في سجلات
تتحدى عاديات الزمان وآفاتها وأحقادها، فتظل شامخة غير مبالية بما يحدث بمرور
الأيام، لأن الحقائق أقوى من الأوهام.
أقف إجلالا لهؤلاء العظماء الذين حزموا أمورهم بقيادة العالم
بأفكارهم وتضحياتهم وقدراتهم من أجل إسعاد البشرية وإخراجها من ظلمات الجهالة وضيق
الحياة إلى أنوار المعارف الساطعة وسعة الحياة البهيجة، ومن خراب المعيشة ونكدها
إلى عمرانها واخضرارها وابتسامتها.
أقف إجلالا لكل العظماء، لأنهم يمثلون صفوة المجتمعات البشرية وقممها
الشاهقه وذروتها السامقة، وهم صناع
الأجيال والقيادات في كل عصر، وهم يتقنون صناعة الأمل، ويوقدون الشمع المضيئة
والتي تبدد دياجيرالعصور المظلمة لتخرج شعوبهم وأممهم من ويلاد التخلف إلى ذروة
التقدم، ومن التشتت والفوضى، إلى الالتحام وسيادة القانون، ومن قاع التبعية المذلة
إلى سدة القيادة المشرفة!
فهل نطمح أن نكون في ركاب العظماء لنظفر في الحياتين وتبقي الذكرى
العطرة في قلوب أبنائنا وبناتنا وقلوب كل الأجيال بعدنا؟
وننال وسام الشرف الذي لا يجده إلا هذا الصنف من الناس، وهم الرواحل
الذين تشير مقامهم الرفيع الأدلة الناطقة.
{رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ وَاجْعَلْ
لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ
وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ} الشعراء 83-85، أي فوز
هذا، واي عزة تلكم، وأي عاقبة تتحقق لهذا الصنف من الناس؟!
{وَالَّذِينَ يَقُولُونَ
رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ
وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا
صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا ، خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ
مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا} الفرقان الأيات74-76
وحقا من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه!
والله الهادي إلى سواء السبيل